كانوا دائما.. يصلحون مراكبهم على الشاطئ، وكانت تلك المراكب مأكولة الصدر بضلوعها الخشبية البارزة تشبه صدورهم إلى حد بعيد.
كان البحارة في مدينتي الصغيرة (جيزان) أنصاف عراة؛ يرتدون نصف إزار، وكانوا يتركون النصف الأعلى للهواء والبحر ولأشعة الشمس الحارقة، وكانت أجسادهم النحيلة السمراء تقاوم البحر والموج واللهب، وكانت أقوى مما أتصور!!
.. وفي مشواري الصباحي إلى المدرسة العزيزية؛ كانت ثمة أكوام من الحديد المتآكل في طرف المدينة الجنوبي هي بقايا الكنداسة القديمة؛ أي بمعنى أننا عرفنا تحلية مياه البحر قبل أكثر من 70 عاما، ولا أدري كيف جاءوا بتلك المحطة البدائية لتحلية المياه، ولا حتى تاريخها، وعندما كبرنا قليلا لم نعد نسأل لا عن (الكنداسة) ولا عن تلك الشباك المنتشرة على الشاطئ، ولا عن المراكب الصغيرة متآكلة الصدر، لقد عرفنا أن كل هذه الأشياء تمشي على وجه البحر بحثا عن رزقها، وهي غالبا ما تحصل عليه وتنتزعه من الأعماق، وقد تكون المسافة حينذاك بين الإنسان وقوت يومه، شاشعة ومضنية وأكثر تعبا، لكنهم كانوا يجدون ما يأكلونه في البر والبحر.
.. باختصار، أود أن أقول إننا في هذه المنطقة من بلادنا قد تقدمنا كثيرا، وأصبحنا نرتدي غطاءين اثنين، ونرى الأمور بطريقة أكثر وضوحا، وأن إنشاء (حوض للسفن) على شواطئ جيزان ليس مستحيلا، وإنشاء محطة كبرى لتحلية البحر لم يعد حلما بل أصبح حقيقة أيضا، وأن تلك المرتفعات الجبلية الخضراء في فيفا والريث وبني مالك، ستمتد إليها يد العمران وتنشأ الفنادق والقرى السياحية، وأن مناخها المعتدل سيجعلها من أجمل المنتجعات الصيفية والشتوية في شرقنا العربي، وأن توافر الخدمات حاليا سيساعد على نمو السياحة فيها وفي السهول الخضراء الممتدة في تهامة، يمكننا تنشيط الزراعة وترشيدها أيضا، كل هذا ممكن جدا.. وإقامة المصانع للمواد الغذائية بكافة أنواعها، سيكون أكثر في جدواه الاقتصادية لتوافر الإنتاج الزراعي وجودته.
من هنا كان لا بد لكل رجال الأعمال في بلادنا الذين ذهبوا إلى جيزان استثمار جزء يسير من أموالهم في مشاريع يعود نفعها عليهم وعلى بلادهم.
جيزان هي البوابة الكبرى لاكتفائنا الذاتي من الغذاء، وعندما يدرك القادرون من أغنياء هذا الوطن أهمية منطقة جيزان وثرواتها الزراعية والسمكية وخيراتها الكبرى.. سيسارعون لاستثمار أموالهم على أرضهم.. فخيرها خير لهم ولنا.. وبالله التوفيق.